د. بلال محمد على ماهر يكتب :الغُلُو والغُلَواء .. المفهوم والمضمون

تُشير مادة (غَلا) إلى الارتفاع ومُجاوزة الحَد كقول غَلا الماء إذا فار وارتفع، ويقال غَلت القدر إذا زادت. وأصل الغُلو فى اللغة يُطلق على اجتياز الشئ عن حَده الذى وضِع له، سواء كان هذا الحد علميًا أو سلوكيًا أو عُرفيًا أو شرعيًا، وهو متوافق مع معنى الغُلو فى الشرائع السماوية، إذ يُطلق على مُجَاوزةِ حدود الشريعة عملًا أو اعتقادًا. والغُلو فى الدين معناه الزيادة بغير نفع، أو بضرر ــ ـبعمد أو بغير عمد ـــ والدين الإسلامى دين وسَط لا إفراط فيه ولا تَفريط، ولا يَعرف التطرف ولا الغُلو، بل هو دين السلام، والسماحة، واليسر، والتدبر، وحرية الفكر والعقيده.
والغُلو ليس من الإسلام فى شئ، وليس من شأن المسلم السَوي، وكما قال الحق تبارك وتعالى ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة 143].
فبالوسطية بُعِث النبى (ص) وعليها رَبى آل بيته وصحابته الذين حَمَلوا هَدْيهِ فأناروا العالم، ومَلَكوا قلوب العباد قبل أن يَملكوا سائر البلاد. وكما قال رسول الله (ص) عن ابن عباس “إياكم والغُلو فى الدين، فإنما أَهلك من قبلكم الغُلو فى الدين، حَمَلَهم على أن سَفكوا الدماء واستَحلوا المحارم” (أخرجه ابن حبان والنسائى وابن ماجه)، وكما قال الله عز وجل ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء171]. ولا يجوز على الإطلاق قصر صفة الغُلو فى الإسلام على بعض المذاهب والطرائق الإسلامية كالشيعة والصوفية، وإنما يجب النظر فى الغلو والغُلَواء نظرةً شاملةً واعية فى جميع مناحي الحياة، وجميع الطوائف والمذاهب الإسلامية للتقييم والتقويم.
ولا يجوز التركيز على غلاة الشيعة وغلاة التصوف فحسب، فأهل السنة الذين لا يحكمون بما أنزل الله ويُعَطِلون شريعته يُعَدون من الغلاة، والسلفية الذين يَصفون المُبتكرات الحديثة بالبدع هم من الغلاة..
وبالرغم من قبول أتباع المذهب الأشعرى لمرجعية المذاهب الأخرى وعكس الإسلام من خلالها، حَكَم الحنابلة والمعتزلة عليهم بالكفر وهذا من الغلو. والشيعة الذين يُقَدِسون الإمام على بن أبى طالب، ويُهاجِمون الصحابة ويَسُبُونهم هم من الغلاة، والمُتَصوفة الذين يُقَدِسون شيوخهم، ويتجاوزون الشريعة تطلعًا للحقيقة ـــكما يدعونـــ ويمارسون طقوسًا ومظاهر خارجة عن منهج الإسلام الحنيف هم من الغلاة.
ويجب التعرف على حقيقة التصوف وعطائه وأخلاقياته، ومناقب أقطابه المُبَرزين، كما يجب التعرف على المذهب الشيعى (الجعفرى) وأصوله الراسخة، ومناقب علمائه البازِغين قبل التحدث عن السلبيات والتُرَّهات التى يُمارسُها العوام حتى لا يَنفر الناس من الطرائق الصوفية بغير فهم.
ويتفاقم الحذر والتوجس من المذهب الشيعى الأصولى بغير علم، فجميع المسلمين أهل سنة، والشيعة المعتدلون مسلمون وهم أهل سنة. وعلى جميع المسلمين التوجس والحذر من الفتن المغرضة التى تؤجج الاختلافات الثانوية بين المذاهب لدواعى سياسية وأغراض نفعية. سددوا وقاربوا، ويسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا كما قال رسول الله (ص).