مكر الحرب: إرادة الهوية في مواجهة تفاهة الشر

بقلم :د. عبد السلام دخان
في عمق التجربة الإسرائيلية، يتجسد مفهوم “مكر الحرب” كبنية مركبة تُعيد تشكيل العلاقة بين السياسي والديني عبر آليات تدمج المقدس بالعنف، فتتحول الحرب من حدث طارئ إلى طقس وجودي يومي. ولا ينفصل تمجيد العنف عن سردية الهوية التي تُبنى عبر محو “الآخر” الفلسطيني؛ إذ تُستخدم التكنولوجيا والأدوات المعلوماتية لترسيخ هيمنة لا تُمارس على الجسد فحسب، بل على الزمان والمكان أيضا.
وفي هذا السياق، يتحول الفضاء العام بكل مكوناته المادية والرمزية إلى ساحة صراع وجودي تُعيد فيها الدولة إنتاج شرعيتها من خلال استمرارية الحرب، كما لو كانت آلة تدور في حلقة مفرغة من العنف والأوهام.
لا يُختزل القتل تبعا لمنظور السردية الإسرائيلية في إنهاء حياة مادية فقط، بل يتحول إلى ممارسة رمزية تُعيد تشكيل الهوية عبر توظيف موت الفلسطيني كنص تأسيسي. إذ يصبح كل جسد يُزهق صفحة تُكتب عليها أسطورة الخوف والأمان الزائف، فيما يتحول الشهيد الفلسطيني إلى شاهد حيّ على فشل محاولة تجميد التاريخ وتزييفه. وفي هذا التناقض الوجودي، كلما سعت آلة الحرب إلى محو الفلسطيني، ازداد حضوره ككيان مقاوم يُعلن أن الموت نفسه قد يتحول إلى فعل مقاومة، وأن الجثة الملقاة على الأرض لا تُعدو كونها بذرة لوعي جديد.
يتعمق هذا المكر في جغرافيا الاحتلال نفسه، حيث تتحول الأرض إلى فضاء مجزأ بالحواجز والمعابر، فيُعاد تشكيل الزمان والمكان الفلسطينيين وفقًا لمنطق “البارانويا” العسكرية. فتُصبح غزة مختبرا للعقاب الجماعي، بينما تُعد الضفة سجلا للانتهاكات اليومية التي تحول الوجود إلى جسد مراقب.
وفي الوقت ذاته، يشكل الإعلام الغربي دور “الأنفوميديا” (Infomedia) – من خلال دمج الإعلام بالمعلومات المُزوّرة – في إنتاج سردية تُبرر العنف عبر تصوير القوة المفرطة بوصفها ضرورة أخلاقية. ومع ذلك، تواجه محاولات تزييف الرموز – مثل سرقة شجرة الزيتون وتحويلها إلى أيقونة توراتية – صمود الذاكرة الجمعية الفلسطينية. الشجرة الكنعانية ليست مجرد رمز ديني، بل شهادة على التوحد بين الإنسان والأرض، توحد يتجاوز حدود الدين ليشمل التاريخ والكينونة.
تُعلن المقاومة الفلسطينية – من خلال ممارساتها المادية والرمزية – أن الهوية لا تُسرَق، بل تولد من الرفض، وأن التفوق العسكري لا يصنع شرعية وجودية. وفق هذا المعنى يتمظهر التناقض الجوهري للحرب؛ فهي محاولة تحويل الوجود الفلسطيني إلى “غياب” تُدار عبر جدران وأساطير، إلا أن هذا الغياب المفبرك يتحول إلى حضور أكثر تعقيدا يُذكرنا بأن الهوية ليست سردا أحاديًا، بل حوارا – ولو دموياً – مع الذات والآخر.
هكذا تُعلن المقاومة، بفعلها الوجودي، أن الصهيوني الطارئ على العالم لا يشبه الفلسطيني السرمدي، وأن الحرب ليست أداة للسيطرة بل اعتراف ضمني بهشاشة المشروع الذي يسعى إلى فرض الهيمنة.
وفي كل شهيد إشارة إلى أن الزمن لا يتجمد، وأن الأرض لا تُسرق، وأن الكلمة الأخيرة ستظل للحياة لا للموت. يبقى السؤال الأعمق: هل يمكن للعنف أن يُنتج هوية حقيقية؟ أم أن الهوية الحقيقية تولد فقط حين ترفض أن تكون مرآةً للعدو؟ وفي هذا الرفض تكمن الإجابة.
[1]– باحث في جماليات التعبير وقضايا الفكر الإنساني