مقالات

د. بلال محمد على ماهر يكتب: المبدع محمد على ماهر رائد الدراما الدينية

يعد محمد على ماهر رائد الدراما الدينية فى العالم العربى والإسلامى،  ووا ضع اللبنة الأولى لها فى باكورة أعماله الدرامية، المعرفة والمؤسسة للدراما الدينية،  وهو بحثه للتخرج فى قسم النقد الفنى بالمعهد العالى للفنون المسرحية بمصر (أكاديمية الفنون حاليًاً).  وكان بحثه بعنوان «الإمكانات الدرامية فى القصص الدينى» ، الذى يعتبر النواة الأولى لإبداعاته الفنية وأعمــاله الدرامــية المتميزة.   و تم إنجــازه وإجازتــه بعد خــلافٍ حـادٍ بينه وبين الكاتب والناقد الراحــل دكتور/ لويس عوض، الذى عارض بشراسة العنوان المقترح مسبقًا من محمد على ماهر،  وهو «الإمكانات الدرامية فى قصص القرآن»،  وحسم ذلك الخلاف بتدخل عميد الأدب العربى الراحل دكتور/ طه حسين وترحيبه بموضوع أطروحة البحث مع مبادرته بتغيير العنوان بعنوان بديل هو «الإمكانات الدرامية فى القصص الدينى»، وسرعان ما توافق الطرفان على عنوان  البحث الجديد،  وتم تشكيل واعتماد لجنة الإشراف.

على ماهر

أنجز محمد على ماهر أطروحته البحثية ومنح درجة إمتياز مع مرتبة الشرف الأولى، ولم تتح له فرصة الانضمام لأسرة أعضاء هيئة التدريس بقسم النقد الفنى ـــــ وهو جدير بها ــــ لإشراف كلية الأداب على المعهد فى ذلك الحين، وقصر تكليف أعضاء هيئة التدريس من الأساتذة العاملين بها.   اختزل محمد على ماهر موقفه القرآنى مع الدراما والقصص الدينى إلى أجل قريب، حيث تناول القصص الدينى  بأسلوب درامى غير مسبوق،  مستلهمًاً أحداثه وعبراته من آيات القرآن الكريم، فى رحاب معانيه الجليلة الفياضة كمصدر أساس وافر الثراء، ومرجع رئيس مكتمل المنهاج واضح البيان.  وكذلك استعانته بكتب العهد القديم والعهد الجديد، والمراجع الدينية والتاريخية، والمؤلفات المرجعية والتخصصية،  والموسوعات العربية والعالمية، قديمها وحديثها، وغيرها من المصادرالحية المسموعة والمرئية.

وكانت الأعمال الدرامية الدينية التى قام بكتابتها لاحقاً عبر سنواتٍ طويلةٍ تطبيقاً عملياً للمفاهيم التى تناولها فى أطروحته، حيث مزج فى تفرد علمى وإبداعى غير مسبوق بين النظرية المبتكرة والإبداع المستلهم منها.  وكان المسلسل الإذاعى ذائع الصيت «أحسن القصص» الذى أجازه وأشرف على مراحله الأولى الإمام الأكبر الشيخ/ محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف، هو بداية انطلاقه نحو آفاق رحيبة لأعماله الدرامية المتميزة.  وقد توالت إذاعة حلقات مسلسل «أحسن القصص» بمصر فى البرنامج العام على مدى سبعة عشر عامًا خلال شهر رمضان من كل عام، وكذلك نشر بعض منها بجريدة الجمهورية المصرية كقصة «آدم أبو البشرية»، وقصة «المسيح عليه السلام» والتى أعاد صياغتها وتهيئتها  للنشر كنص درامى مقروء بعد إذاعتها بالبرنامج العام فى شهر رمضان.  وما زالت حلقات مسلسله الخالد «أحسن القصص» يذاع حتى يومنا هذا ضمن خطط البرامج الإذاعية المتجددة، وغيرها من أعماله.   وتتناول حلقات هذا البرنامج قصص الأنبياء والمرسلين وأقوامهم منذ بداية الخلق وفسوق إبليس عن أمر ربه، وعصيان آدم وغوايته فى جنة التجربة، ثم هبوطه مع حواء إلى الأرض، وتتوالى قصص الأنبياء وأقوامهم حتى البعثة المحمدية والرسالة القرآنية الخاتمة،  ومن أهم ما يميز هذا العمل الرائد  تجسيده الحياة الاجتماعية والسياسية،  وعرض الأحداث التاريخية بتفاصيلها فى تلك العصور بأسلوب فنى وفلسفى رفيع المستوى، من خلال المعالجة الدرامية الدينية المتكاملة لقصص الأقوام والأنبياء،  ودون انعزال عن معايشة الواقع والتواصل مع الأحداث المعاصرة،  والتى تعد من أهم سمات الكاتب محمد على ماهر.

أعد الكاتب الإسلامى الكبير الأستاذ «محمد على ماهر» سلسلة حلقات أحسن القصص الدرامية الإسلامية الإذاعية المبتكرة المستلهمة من وحى قصص القرآن الكريم، والتى ابتدع أسلوبها وصيغها لغة ومضمونًا وقيمًا غنية عكس من خلالها حقيقة الإسلام وعالميته منذ آدم أبى البشرية (عليه السلام) وحتى محمد (ص).  وقد حاول هذا الكاتب المرموق توصيل أفكاره ورؤاه إلى الناس عبر سلسلة حلقات هذا البرنامج،  فكان حريصًا على أن تصل كلماته ورؤيته إلى من يهمه أمر الإنسانية على وجه العموم، وأمتنا العربية والإسلامية على وجه الخصوص.  وقد تعامل مع قصص القرآن الكريم كينبوع لا ينضب من العطاء، وأعاد إلى الحياة الكثير من القيم الروحية والمبادئ الإنسانية، كما أكد على مفهوم تتابع الأنبياء على مر العصور، كل نبى بدعوة وبشرى، وكل رسول برسالة وشريعة محددة بمكان وزمان وقوم.  كما رسخ هذا العمل مفهوم تكامل الرسالات السماوية وانسجامها الروحى والإنسانى مع بعضها البعض فى فى نسيج متلاحم، ودين واحد شامل لجميع البشر منذ بداية الخليقة، ألا وهو دين الإسلام.  وقد استعان الكاتب بكثير من النصوص الدينية فى الكتب المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن ـــــ على حد سواء ــــ  والتى تدعو جميعها إلى الإيمان بالله وملائكته ورسله، والتى ترفع من شأن المؤمنين بالله، وترسخ المبادئ الإنسانية والقيم النبيلة، والأخلاق الرفيعة،  كما تدعو إلى جهاد النفس، ومجابهة الطغاة والظالمين، ومؤازرة المنسحقين والمظلومين، وإعلاء كلمة الحق فى كل زمان ومكان.

وقد أثرى الكاتب الإذاعات العربية بهذه التحفة الدرامية الخالدة  التى وظف من خلالها التراث الإنسانى الإسلامى العالمى بصورة إبداعية لا مثيل لها والتى استطاع أيضًا من خلالها استلهام الــتراث الإسلامى من خـلال فهمه العميق لآيات القرآن الكريم تفسيرًا ولغة وثقافة،  واندماجه الروحى فى معانيه الجليلة السامية.

 

وجدير بالذكر أنه فى تلك المرحلة كانت تجربة كتابة الدراما الإسلامية تثير استغراب البعض على اعتبار أن الدين الإسلامى ليس مبنيًا على الصراع وإنما على الحجة والإقناع، لكنهم بعد الاستماع إلى هذه المسلسلات ما لبث هذا الاستغراب أن يتحول إلى إعجاب وتقدير ودهشة بهذه القدرة المتميزة على خلق صراع درامى من خلال قصص القرآن الكريم، والرائد «محمد على ماهر» ــــ رحمه الله ــــ  كان أول من كتب الدراما الإسلامية القرآنية بهذا المعنى والأسلوب والمنهج،  وأول من وظف التراث الإسلامى والأدب العربى لخدمة قضايانا المعاصرة وفى مقدمتها القومية العربية والقضية الفلسطينية التى كانت تعنيه كثيرًا ، وتفرده بفنونه الدرامية فى تفنيد ادعاءات اليهود الكاذبة, وافتراءات الصهاينة الجاحدة بالحجج القرآنية الدامغة، والحقائق التاريخية المنطقية، غير الخاضعة للتأويل أو النقاش.

إنطلق هذا الكاتب الموهوب فى نشر إبداعاته الدرامية الدينية الثرية المتجددة عبر وسائل الإعلام المختلفة.   ومن أهم أعماله بالإذاعة المصرية:  أحسن القصص، وجنة ونار، وإحياء علوم الدين، وقصة الحجيج، وسيرة ابن هشام ، وولد الهدى، وبسم الله، وطريق النور، والصاعد إلى السماء، ومع البخلاء، وصاحب الأرض، … وغيرها.   ومن أهم أعماله بالتليفزيون المصرى:  مسلسل المجانين، والأوبريت الغنائى الدينى سبحان الله، وفى نور الأسماء الله الحسنى، التى تعد من أهم إبداعاته الدرامية الدينية المبتكرة.

وقد تفرد محمد على ماهر فى الأعمال الدرامية الدينية والتاريخية، وإحياء التراث الإنسانى العربى والإسلامى بفكر مستنير وموهبة واعية.  ومن أهم أعماله السينمائية مشاركته الفعالة فى كتابة سيناريو وحوار الفيلم  الإسلامى العالمى «الرسالة» بتكليف من مخرجه ومنتجه المخرج الأمريكى السورى الأصل الراحل/ مصطفى العقاد، وكذلك كتابته سيناريو وحوار فيلم «أهل الكهف» بتكليف من شيخ الأزهر الراحل/ محمود شلتوت.  وكان عزوفه عن الأعمال السينمائية وانحيازه وانشغاله بالأعمال الإذاعية لأسباب موضوعية ومبررات جوهرية.

 

اختتم أعماله الدرامية بمجموعة من البرامج الدينية والتاريخية المتميزة لإذاعة الكويت، التى تم بثها فى معظم الدول العربية والإسلامية ومنها:  أمة القرآن، وإحياء علوم الدين، ورجال حول الرسول، والنور الذى اتبعوه، والمخلفون الثلاثة، وصلاح الدين…وغيرها.  وقد وظف من خلال هذه الأعمال التراث الإنسانى بصورة إبداعية متألقة، مستلهما التراث الإنسانى الإسلامى من خلال فهمه العميق لتفسير آيات القرآن الكريم، واندماجه الروحى بمعانيه الجليلة.  وقد أصبح برنامجه الشهير «أمة القرآن» سنة تلو أخرى أحد أهم البرامج الإذاعية فى تاريخ إذاعة الكويت، وظل كذلك لسنوات عديدة.  كما كانت حلقات برنامجه الرائع «رجال حول الرسول»  عن كتاب الراحل الأستاذ /خالد محـمد خالد الذى أعده محمد على ماهر لإذاعـة الكويت من أنجـح البرامـج الإذاعية الدراميـة الإسلامية المشوقة.  وكانت البرامج الدينية التى تذاع بإذاعة الكويت من أهم أسباب التواصل والتفاهم بين الكويت والعراق، حيث تبادل الطرفان هذه البرامج الدينية لمحمد على ماهر أثناء فترة النزاع غير المسلح،  وقبل كارثة حرب الخليج.

ومن الناحية الأكاديمية والبحثية، ولأسباب لايعرفها كاتب المقال، تفتقر المكتبات العربية والإسلامية، والبحوث العلمية بالأقسام المتخصصة بالجامعات إلى الدراسات التى تتناول تاريخ الدراما الدينية وتطورها،  ومقومات ازدهارها وأسباب انحسارها،  والأعمال الدرامية الجادة،  ورواد الدراما الدينية بالعالم العربى والإسلامى، وأهمهم محمد على ماهر ترسانة الدراما الدينية فى العالم العربى والإسلامى وفارس «أحسن القصص».  وقد وفقنا فى نشر ثلاثة كتب عن سيرة الكاتب الإسلامى الكبير/ محمد على ماهر وبعض من منجزاته الشعرية والأدبية والدرامية وهى:  كتاب «أحسن القصص وأعمال أخرى»، دار عبيد للنشر والتوزيع والطباعة، مصر 2017، وكتاب «آدم أبو البشرية»، دار إشراقة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2021، وكتاب «المسيح عليه السلام»، دار إشراقة للنشر والتوزيع، القاهرة، 2021.

وبغياب محمد علي ماهر غابت الدراما الدينية الإعلامية المتميزة ــــ وعلى وجه الخصوص الإذاعية ــــ التى ابتدع أسلوبها وصيغها لغة ومضمونًا وقيما غنية.. عكس من خلالها آلام وأحلام وواقع الأمتين الإسلامية والعربية في صراعهما ضد أعدائهما،  وعلى وجه الخصـوص العـدو الصهيونى المغتصب.  رحــل الكاتب الدرامـى الإسلامى القــدير محمد على ماهر بعد أن وضع أسسًا راسخة ومنهجًا متكاملاً للدراما الدينية والتاريخية، تاركًا الإعلام العربى والعالمى عامرًا بإبداعاته ومنجزاته الدرامية المتألقة التى تعد نبراساً ومثالاً يحتذى به.

د. بلال محمد على ماهر

أستاذ متفرغ / جامعة المنوفية

 

 

 

 

 

 

اعلان اسفل محتوى المقال

admin

الصحافة والإعلام..موقع عربي متخصص فى الثقافة والفنون والرياضة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock