
عاش العراقيون سنواتٍ من العذاب تفوق الوصف، عذاب لم يكن مجرد محنة عابرة، بل سلسلة من الكوارث التي توالت عليهم وكأن القدر عقد معهم اتفاقًا طويل الأمد على الشقاء.
بدأت المأساة بحربٍ طاحنة استمرت ثماني سنوات، حرب استنزفت كل شيء: الأرواح، الاقتصاد، والأحلام. وما أن انتهت حتى جاءت حماقة غزو الكويت، التي لم تجرّ سوى الدمار، لتجد البلاد نفسها في مواجهة تحالف عالمي، انتهى بحرب الخليج الثانية التي أكملت الخراب في كل شيء حتى خراب الإنسان نفسه.
لم يكن ذلك كافيًا، فالنكبة الكبرى جاءت بعدها، حين فُرض الحصار الإقتصادي الظالم الذي حوّل الحياة إلى صراعٍ يومي من أجل البقاء.
دفع العراقيون ثمناً باهظًا، الأسعار حلّقت إلى عنان السماء، بينما الرواتب تقلّصت حتى باتت تكفي لأيامٍ معدودات. لم يعد هناك مستقبل للتخطيط، فالجميع كان منشغلًا بالبقاء على قيد الحياة حتى الغد.
بدأ الناس يبيعون أثاث منازلهم، وبعد أن صفّرت النساء خزائنهن من الذهب،حتى خواتم الزواج بيعت، لم يبقَ أمامهم سوى التخلي عن الأرائك، واستبدالها بالجلوس على الأرض، ثم عن التلفاز، ليعود المذياع ملكَ وسائل الترفيه.
المطابخ أصبحت خاوية، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ بدأت الأبواب والشبابيك تجد طريقها إلى الأسواق، وحلّت محلها البطانيات والقطع القماشية، وأغطية البلاستيك، لتصبح البيوت أشبه بهياكل مهجورة تغطيها الستائر البالية بدل النوافذ.
حفلات الزواج التي يبالغ بها العراقيون، موائد كبيرة مزينة بالخراف، تحولت هذه الى “خبزة وخضورات” (خبز مع بعض الخضار)،
ووسط كل ذلك، برزت قصة غريبة لكنها لم تكن نادرة في ذلك الزمن العجيب: أحدهم باع كل شيء، لم يبقَ لديه سوى جدران منزله وسقفه، حتى خطر له أن يهدم السقف نفسه ليبيع الحديد الموجود فيه. أخذ أدوات التفليش “الهدم”، وبدأ يهدم قطعةً بعد أخرى، لكن القدر كان أسرع منه، فسقط عليه السقف، ودفنه مع آخر ما تبقى من أحلامه!
وسط هذه الحياة العبثية، كنتُ ذات يوم في كراج “علاوي الحلة” في بغداد ، وهو ملتقى الباصات المتجهة إلى المحافظات، أسير مثقلًا بالهموم، غارقاً في أفكاري حتى انتبهت أنني أتكلم مع نفسي بصوتٍ مسموع!
“توقفت، وقلت: لا لا شنو هاي” كان الأمر صادمًا، هل وصلتُ إلى هذه المرحلة؟ هل بدأ عقلي يتفكك تحت ضغوطات الحياة؟
ارتبكتُ للحظة، شعرتُ بالخوف من نفسي، حتى وقع نظري على ضابطٍ برتبة كبيرة يسير أمامي، لا يتحدث مع نفسه فحسب، بل يضحك أيضًا وكأنه يروي نكتة عظيمة، ولم يتوقف عن هز يده، ثم أخذ يضرب فخذه الأيمن!
عندها فقط تنفست الصعداء، وحمدت الله… قلت في نفسي: قضيتي بسيطة مقدور عليها، ما زلت في وضعٍ عقلي أفضل، ربي لك الحمد والشكر. أما الضابط رايح فيها للاخر، وكما يقول العراقيون على هكذا حال ” مستوي”! أي خطوات عن الجنون.
الخلاصة: إذا لقيت نفسك تسولف وحدك، لا تخف… فإنها الخطوة الأولى نحو أن تصبح مستشارًا غير رسمي للجنون، وبلا مقابل!