مقالات

د. بلال محمد على ماهر يكتب:هكذا قامت دولة إسرائيل المصطنعة .. وثيقة كامبل السرية وتفتيت الوطن العربى

كانت البداية انعقاد مؤتمر«كامبل بنرمان» فى لندن عام ۱٩۰٥م، واستمرت جلساته حتى عام ۱٩۰٧م، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين بهدف إيجاد آلية للمحافظة على تفوق الدول الاستعمارية وضمان مكاسبها  إلى أمد بعيد. وضم المؤتمر الدول الاستعمارية الأوروبية فى ذاك الوقت وهى:  بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا. وبعد سقوط حكومة المحافظين عام ۱٩۰٥م برئاسة آرثر بلفور، قدّم المؤتمر توصيات إلى حكومة الأحرار برئاسة السير هنرى كامبل بانرمان لإقناع رئيس الوزراء الجديد بالعمل على تشكيل جبهة استعمارية لمواجهة التوسع الاستعمارى الألمانى، وتحقيق بعض الأهداف التوسعية فى آسيا وأفريقيا.  وتم تأسيس لجنة عليا اجتمعت فى لندن عام ۱٩۰٧م، وكانت تضم ممثلين عن الدول الاستعمارية الأوروبية، إلى جانب كبار علماء التاريخ والاجتماع والاقتصاد والزراعة والجغرافيا والنفط.   وقدم فكرة المشروع لحزب الأحرار البريطانى الحاكم فى ذلك الوقت، وفى نهاية المؤتمر خرجوا بوثيقة سرية سموها «وثيقة كامبل» نسبة إلى رئيس الوزراء البريطانى آنذاك هنرى كامبل بانرمان.  ويُعَد هذا المؤتمر أخطر مؤتمر عُقِد لتدمير الأمة العربية خاصة (والإسلامية عامة)، وكان هدفه إسقاط النهضة العربية وتقويض الأمة الإسلامية، وتهديد استقرار المنطقة بشكل دائم.

واستعرض المؤتمر الأخطار التى يمكن ان تنجم من هذه المستعمرات، واستبعد قيام مثل هذه الأخطار فى كل من الهند والشرق الأقصى وأفريقيا والمحيط الأطلسى والمحيط الهادى نظرًا لانشغالها بالمشاكل الدينية والعنصرية والطائفية، وبالتالى بُعْدها عن العالم المتمدّن.  وأن مصدر الخطر الحقيقى على الدول الاستعمارية إنما يكمن فى المناطق العربية من الدولة العثمانية، لا سيما بعد أن أظهرت شعوبها يقظة سياسية ووعيًا قوميًا ضد التدخل الأجنبى، والهجرة اليهودية.  كما أن خطورة الشعب العربي تأتى من عوامل عدّة يملكها وهى:  وحدة الدين والتاريخ واللغة والثقافة والهدف والآمال، وتنوع الثروات الطبيعية وتوفر الموارد البشرية وتزايد السكان.  ولم يغفل المؤتمر أيضًا عوامل التقدم العلمى والفنى والثقافى، وأكد المؤتمر على ضرورة العمل لإبقاء وضع المنطقة العربية متخلفًا، وشيوع التفكك والانقسام، وإنشاء دويلات مصطنعة تابعة للدول الأوروبية، وخاضعة لسيطرتها وسياساتها.  ولذا أكدوا على أهمية فصل الجزء الإفريقى من المنطقة العربية عن جزئها الآسيوي، وضرورة إقامة الدولة العازلة، عدوّة لشعوب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية .. وهكذا قامت إسرائيل.

ومن أهم نتائج المؤتمر التي توصلوا إليها: “إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوى للاستعمار لأنه الجسر الذى يصل الشرق بالغرب، والممر الطبيعى إلى القارتين الآسيوية والأفريقية، وملتقى طرق العالم، وأيضًا هو مهد الأديان والحضارات”.  والإشكالية في هذا الشريان هو أنه كما ذُكر فى الوثيقة: “ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان”.

وأبرز ما جاء في توصيات هذا المؤتمر كان أولها تقسيم دول العالم إلى ثلاث فئات: الأولى هى دول الحضارة الغربية المسيحية (دول أوروبا وأمريكا الشمالية واستراليا) والواجب تجاه هذه الدول هو دعمها  ماديًا وتقنيًا لتصل إلى مستوى تلك الدول.  والثانية فهي دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية، ولكن لا يوجد تصادم حضارى معها ولا تشكل تهديدًا عليها (كدول أمريكا الجنوبية، واليابان، وكوريا… وغيرها) والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها ودعمها بالقدر الذي لا يشكل تهديدًا عليها وعلى تفوقها.  أما الثالثة فهى دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية، ويوجد تصادم حضارى معها، وتشكل تهديدًا لتفوقها (وهى بالتحديد الدول العربية بشكل خاص، والإسلامية بشكل عام) ويجب العمل على حرمان هذه الدول من الدعم، ومنعها من اكتساب العلوم والمعارف التقنية فى جميع المجالات الحيوية، ومحاربة أى اتجاه يُمَكِن هذه الدول من امتلاك وتطوير العلوم التقنية والتطبيقية.

وثانى أبرز التوصيات هو إبقاء شعوب المنطقة العربية مفككة جاهلة متخلفة، ومحاربة أى توجه وحدوى تكاملى.  ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر إلى إقامة دولة في فلسطين تكون بمثابة حاجز بشرى قوى وغريب ومعادى يفصل الجزء الإفريقى من هذه المنطقة عن الجزء الآسيوى، والذى يَحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب ونمائها. ألا وهى دولة إسرائيل، واعتبار قناة السويس قوة صديقة للتدخل الأجنبى، وأداة معادية لسكان المنطقة.  كما دعا المؤتمر إلى فصل عرب آسيا عن عرب أفريقيا، ليس فقط فصلاً جغرافيًا عبر الدولة الإسرائيلية، وإنما فصلًا اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا، مما أبقى العرب فى حالة دائمة من التفكك والضعف والتخلف.

وكما قال الحق تبارك وتعالى فى الآية ۱٢۰ من سورة البقرة ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ وفي تفسير هذه الآية الكريمة ما يكفى ويهدى سواء السبيل .. والله غالب على أمره.

 

د. بلال محمد على ماهر

أستاذ متفرغ / جامعة المنوفية

  

اعلان اسفل محتوى المقال

admin

الصحافة والإعلام..موقع عربي متخصص فى الثقافة والفنون والرياضة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock