بين فقدان الوعي وفساد الطرح: قراءة في ضبابية الرؤية

عندما يأتي الطرح فاسدًا، فإنه ولا شك تختل المعادلة وتكون محصلة النتائج فاسدةٌ أيضًا، ومن البديهي أن ندرك أن هذا الفساد الفطري يعكس قصورًا في القدرة ويكشف عن مرحلة لم تكتمل بعد من التشكّل والنضج الفكري لدى من يحاولون القفز على المكانات لنيل شرف المحاولة لا أكثر. فماهية أفكارهم غالبًا ما تكون متسرّعة، تفتقر إلى العمق، وتميل إلى التعميم دون الإلمام بآليات وضوابط التحليل الموضوعي للمواقف، فتبدو وكأنها أحكام جاهزة أكثر منها رؤى متأنّية وبالتالي تفقد قدرتها على التأثير المباشر لأنه نتاج وعي مشوه وفكر موجه ملغوم لا يقوم على حسن النيات.، يعتمد على الانطباعات لا الأدلة والبراهين، وعلى العاطفة بدل المنطق، وفي هذا السياق لا يمكن الحديث عن النقد الذاتي بوصفه أداة أساسية للتطوير والتحسين، ولا مجال للكلام عن المراجعة باعتبارها محكًا للحيادية والإنصاف عند إصدار الأحكام.
وهنا ولست أحاولُ أن أقف موقف المدافع عن مصر فهي أكبر من أن يحاول المهترؤن فكريًا والمضطربون نفسيًا النيل منها، ولطالما شكّلت عمقًا استراتيجيًا وثقافيًا للعالم العربي، وكانت عبر تاريخها الحديث حاضنة لقضاياه الكبرى، ومدافعًا صلبًا عن أمنه واستقراره. وعند الحديث عن منطقة الخليج العربي، لا يمكن إغفال الدور المصري المحوري في دعم دوله ومساندتها في مراحل مفصلية، وهو دور يتجاوز الحسابات الضيقة ليعكس رؤية دولة تعتبر أمن الخليج جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي.
وقفت مصر إلى جانب دول الخليج في لحظات التهديد الكبرى، سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا. فمنذ عقود، تبنّت القاهرة موقفًا ثابتًا يقوم على حماية استقرار المنطقة، والمساهمة في ردع أي أخطار تهدد سيادة الدول الخليجية أو أمن شعوبها. ولم يكن هذا الدعم يومًا مشروطًا بمكاسب آنية، بل انطلق من إدراك عميق بوحدة المصير العربي.
وعلى الصعيد البشري، لعبت الكفاءات المصرية دورًا محوريًا في بناء مؤسسات الخليج الحديثة. فقد ساهم المعلم والعالِم والطبيب والمهندس والحرفي المصري في نهضة قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية، وكان حاضرًا في مراحل التأسيس، ناقلًا الخبرة والمعرفة، ومشاركًا في صناعة التنمية التي تشهدها هذه الدول اليوم.
إن العلاقة بين مصر والخليج أكبر من أن تختزل في جدل عابر أو تصريحات انفعالية. فهي علاقة تقوم على تشابك المصالح، ووحدة التحديات، وروابط إنسانية عميقة. ومهما حاولت بعض الأصوات النيل منها، فإن الواقع يؤكد أن التعاون والتكامل سيبقيان الخيار الاستراتيجي للطرفين وهو ما لا يجب تجاهله.
وفي خضم النقاشات المتكررة حول موازين القوة ودور الدول العربية في حماية الأمن الإقليمي، تبرز بين الحين والآخر أطروحات تفتقر إلى الدقة والاتزان، حول تولي دول الخليج مسؤولية الدفاع عن الأمن العربي من المغرب إلى الخليج. خلال فترة الحرب بين إيران وأمريكا، مثل هذا الطرح، وإن بدا في ظاهره تعبيرًا عن ثقة متزايدة لا تستند إلى معطيات دقيقة، إلا أنه يتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا، ويُغفل أدوارًا محورية لا يمكن القفز عليها.
فمصر، بثقلها التاريخي وموقعها الجيوسياسي، لم تكن يومًا على هامش معادلة الأمن العربي، بل كانت في قلبها. وعلى مدار عقود، انتهجت القاهرة سياسة تقوم على التوازن، والعمل الهادئ، وتفادي الانزلاق إلى مغامرات غير محسوبة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على جاهزية الدولة ومؤسساتها لحماية مصالحها ومساندة محيطها العربي عند الضرورة.
إن اختزال مفهوم “الأمن العربي” في طرف واحد، مهما بلغت إمكاناته، هو تبسيط مخلّ لا يخدم الاستقرار بقدر ما يخلق تصورات غير واقعية. فالأمن الإقليمي بطبيعته منظومة تكاملية، تتوزع فيها الأدوار وفق القدرات والظروف، ولا يمكن لدولة أو مجموعة دول أن تنفرد به دون شراكة حقيقية مع بقية الأطراف الفاعلة، وفي مقدمتها مصر.
ومن جهة أخرى، فإن التذرع المتكرر بأن مصر تعاني من تحديات اقتصادية، وأن دول الخليج تتحمل عبء دعمها، يُطرح أحيانًا بصيغة تفتقر إلى الموضوعية. فالعلاقات الاقتصادية بين الدول لا تُبنى على المنح المجردة، بل على مصالح متبادلة، واستثمارات، وأدوات تمويل متنوعة، لكل منها شروطه وآلياته. كما أن الوجود المهني المصري في دول الخليج لم يكن يومًا عبئًا، بل شكّل رافدًا أساسيًا للتنمية، قائمًا على تبادل المنفعة: خبرة مقابل أجر، وعمل مقابل عائد.
إن تصوير مصر كطرف يعتمد على غيره يتناقض مع معطيات الواقع؛ فالدولة المصرية تمتلك من المقومات البشرية والمؤسسية والجيوسياسية ما يجعلها عنصر توازن رئيسي في المنطقة. وهي، بحكم سياستها، لا تسعى إلى فرض هيمنة، ولا تتدخل في شؤون الآخرين، بل تلتزم نهجًا قائمًا على احترام السيادة، وتغليب الاستقرار، والعمل على منع تفاقم الأزمات.
لذلك، فإن من الإنصاف، بل من الضروري أن تُقرأ أدوار الدول ضمن سياقها الكامل، بعيدًا عن المبالغات أو الإقصاء. فمصر لم تكن يومًا غائبة، كما أن دول الخليج ليست بمعزل عن منظومة العمل العربي المشترك. والتحديات التي تواجه المنطقة اليوم أكبر من أن تُختزل في خطاب تنافسي، أو تُدار خلال حلقة نقاشية بمنطق التفوق الأحادي.
إن نضج الطرح الفكري يقتضي إعادة النظر في مثل هذه التصريحات، والعودة إلى قراءة متأنية للتاريخ والواقع معًا، إدراكًا بأن الأمن العربي مسؤولية جماعية، لا تحتمل الإقصاء، ولا تُدار بالشعارات، بل بالتكامل، والتوازن، والاحترام المتبادل،
ختامًا مصر ليست كيانًا هشًا يتأثر بكلمة عابرة أو رأي متحيز، بل هي دولة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، قدّمت للإنسانية حضارة وعلمًا وثقافة لا يمكن إنكارها. والذين يسيئون لمصر، سواء عن جهل أو تعمّد، غالبًا ما يغفلون عن حجم هذا الإرث العظيم، هؤلاء فقراء العقل لا يقدمون نقدًا موضوعيًا أو بناءً، بل يقدمون إساءة تنم عن خلفيات نفسية مضطربة معقدة مدفوعة بالحقد غير المبرر في محاولة للنيل من معنويات شعب أقر له العالم المتحضر بالسبق والقدرة.

Exit mobile version